عبد الملك الجويني
75
الشامل في أصول الدين
سنوضحه إن شاء اللّه عند ذكرنا أحكام الأكوان . والدلالة التي قبل هذه غير مستقيمة أيضا على أصولهم ، فإن المعول فيها على أن ما يقبل الأعراض لا يخلو منها ، وهذا ما أفسدوه على أنفسهم ، وسدّوا سبيل إثباته . إذ صار البصريون إلى جواز عرو الجواهر عن [ ها ] ما عدا الأكوان من الأعراض . وأجاز البغداديون خلوها عن الأكوان ، ومنعوا تعريها عن الأكوان . فما منهم طائفة إلا جوزوا خلو الجواهر عن قبيل من الأعراض ، فلا يستقيم لهم مع ذلك تمهيد الدلالة . والدلالة المخصصة بالأكوان غير مستقيمة على أصولهم ، فإنا بنيناها على أن الاختصاص بالجهة مختص بما يتحيز . ومن أصل المعتزلة أن العرض مختص بجهة محله ، ويثبت له حكم الاختصاص بالجهة ، كما يثبت للجوهر وإن لم يكن متحيزا . وهذا يقرر في الإدراكات ، إن شاء اللّه . والذي يوضح بطلان ذلك على أصولهم أنهم أثبتوا للجواهر حالتين تتحيز في إحداهما ولا تتحيز في الأخرى ، وغير المتحيز مثل المتحيز ، فإن لم يبعد جوهر غير متحيز ، لم يبعد كائن غير متحيز . ومما تمسك به الأئمة في إحالة قيام العرض بالعرض أن قالوا : لو قام علم بعلم ، فقد وجد كل واحد منهما بحيث وجود الآخر ، فليس أحدهما بأن يكون محلا أولى من الثاني ، وليس أحدهما بأن يكون حالا قائما بمحله أولى من الآخر ، إذ كل واحد منهما وجد بحيث الثاني ، وليس يتميز أحدهما عن الآخر بوصف على التحقيق . وليس ذلك بمثابة الجوهر والعرض . فإن الجوهر بخلاف العرض في صفة نفسه ، ويستحيل عليه الحلول والقيام بالغير . وهذا واضح في تثبيت ما قلناه . وسبيل تحرير الدلالة أن نقسم الكلام فنقول : إذا وجد علم بحيث علم ، لم يخل إما أن يكون أحد العلمين عالما بالثاني ، وإما أن لا يكون واحد منهما عالما بالثاني ، وإما أن يكون كل واحد منهما عالما بالثاني ، ويستحيل المصير إلى أن واحدا منهما غير عالم مع قيام العلم . إذ لو جاز قيام العلم بالعرض - والذي قام به العلم غير عالم - جاز ذلك في قيام العرض بالجوهر ، وهذا واضح الفساد مغن بوضوحه عن بسط القول فيه . ويبطل أن يكون العالم أحدهما لما أوضحناه من أنه ليس أحدهما في ذلك بأولى من الثاني . وإن زعم الخصم أن كل واحد من العلمين عالم بالثاني ، كان ذلك نهاية الجهل ، ويلزم منه أن يكون الشيء حالا في الشيء ومحلا له ، وهذا غاية التناقض . وقد ثبت أن العالم من قام به العلم . والذي يقرر فساد ذلك أنا لو قدرنا ثلاثة من العلوم قامت بحيث وجود علم واحد ، لم يكن إطلاق القول بأن كل واحد من العلوم الثلاثة عالم بأحد العلمين